السيد محمد تقي المدرسي

479

من هدى القرآن

بلوغه ، ورسالات الله تهديه إلى السبيل الأقوام إلى أهدافه الفاضلة . وأظهر مصاديق - الصراط المستقيم - بل وميزان الصراط المستقيم . القيادة الرشيدة ، والإمام العادل الذي نصبه الله للناس علماً ، يميزون الحق به عن الباطل ، وهو متمثل في شخص الرسول ، والأئمة المعصومين من بعده عليهم السلام والعلماء بالله . الأمناء على حلاله وحرامه من بعدهم ، وقد جاء في حديث مأثور عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعلي عليه السلام : [ مَنْ أَحَبَّكَ لِدِينِكَ وَأَخَذَ بِسَبِيلِكَ فَهُوَ مِمَّنْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَمَنْ رَغِبَ عَنْ هُدَاكَ وَأَبْغَضَكَ وَتَخَلَّاكَ « 1 » لَقِيَ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا خَلَاقَ لَهُ ] « 2 » . [ 74 ] وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ عَنْ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ ذلك أن الإيمان بالآخرة يشكل حجر الزاوية في كيان الإنسان العلمي ، أوليست معرفة النهاية تساهم في معرفة حقائق الحياة ، ومن لا يعرف حقيقة الدنيا ، يزعم أنها دار راحة ، وجزاء ، وحين لا يجدهما فيها يزداد شقاء ، ومن لا يؤمن بالآخرة لا يعرف هدف الحياة ، فيهدف فيها ما يضره ولا ينفعه ، أو يهبط إلى مستوى العتو ، وقد ينتحر ، لأنه لا يجد طعما لحياته ، ومن لا يعتقد بالآخرة يتوغل في عبادة الشهوات ، ويحتجب بها عن معرفة الله ، ولا يلتزم بشرائعه ولا يهتدي برسالاته ، فهو في ضلال بعيد ، ولعلَّه لذلك لم يقل الرب : إن الذين لا يؤمنون بالله ، بل قال : وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ . [ 75 ] وماذا يفعل الله بالإنسان حين يتنكب عن الصراط ؟ هل يرزقه النعم ويرحمه ، فإذا به يتوغل في الطغيان ؟ ! أم ينزل عليه النقمة فإذا به لا يرتدع ولا يتضرع إلى الله ؟ ! . * وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ كالفقر ، والمرض ، والخوف . لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ لجوا بمعنى : دخلوا وتوغلوا ، والله يشبه الطغيان في هذه الآية كما النفق الموحش ، وهؤلاء بدل أن يرجعوا عن المسير فيه كلما رحمهم الله ، تراهم يتوغلون فيه أكثر فأكثر ، فيفقدون بصرهم وبصيرتهم . والواقع أن من العقبات التي تعترض طريق الإيمان هو موقف الإنسان من النعم ، فإذا رزقه الله نعمة طغى ، وزعم : أن طغيانه هو السبب فيها ، كما بعض النظم الجديدة التي وصفها البشر دون الاستناد إلى القيم الإلهية ، تزعم أن نظامها الاقتصادي ، وأيدلوجيتها المنحرفة هي السبب في تقدمها .

--> ( 1 ) قال العلامة المجلسي قدس سره : [ تخلاك : أي تخلى منك ومن ولايتك ، يقال : تخلى منه وعنه أي تركه ] . ( 2 ) بحارالأنوار : ج 67 ، ص 20 .